نخبة من الأكاديميين

578

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

خامساً : النظريّة التقليديّة للأعداد لم يقتصر إسهام علماء رياضيّات ذلك العصر ، في نظريّة الأعداد ، على التحليل الديوفنطسي الصحيح . فلقد أدّى تيّاران آخران في البحث ، انطلقا من نقطتَيْن مختلفتَيْن ، إلى توسّع النظريّة الهيلّينستيّة في الأعداد وتجديدها . استقي التيّار الأوّل من الكتب الحسابيّة الثلاثة من " أصول " أقليدس ، واتّخذها كنموذج له ؛ وأخذ التيّار الثاني اتجاهه في مجرى علم الحساب الفيثاغوري الجديد ، الذي مثّلته " المقدّمة الحسابيّة " * « 1 » لِنيقوماخوس الجرشي ( Nicomaque de Gerase ) . فنجد في كتب أقليدس نظريّة حول الأعداد الصحيحة الزوجيّة ونظريّة الخصائص الضربيّة للأعداد الصحيحة : قابليّة القسمة ، الأعداد الأوّليّة . . . . ؛ غير أنّ العدد الصحيح يتمثّل عند أقليدس ، بقطعة من خطّ مستقيم ، وهو تمثيل ضروري لبرهان القضايا . وعلى الرغم من مشاطرة الفيثاغوريّين الجدد لمفهوم الأعداد الصحيحة هذا ، ومن تمسّكهم بنوع خاص بدراسة الخصائص ذاتها ، أو المشتقّة منها ، إلّا أنّهم ، بطرائقهم وبأهدافهم ، قد تميّزوا عن أقليدس . فبينما عمل أقليدس بواسطة البراهين ، استخدم هؤلاء وسيلة واحدة هي الاستقراء . من جهة أخرى ، لم يكن لعلم الحساب ، بنظر أقليدس ، هدفٌ خارج هذا العلم ، بينما كان له ، بنظر نيقوماخس ، غاياتٌ فلسفيّة وحتى نفسيّة . وهذا الفرق في الطريقة أدركه بوضوح رياضيّون عرب مثل ابن الهيثم . كان الموضوع إذاً ، بالنسبة لعلماء الرياضيّات في ذلك العصر ، فرقاً بين طرائق البرهان ، وليس فرقاً بين كائنات علم الحساب . وبالرغم من تفضيلٍ واضحٍ للطريقة الأقليدسيّة ، إلّا أنّ بعض علماء الرياضيّات ، وحتى الذين كانوا من الأهميّة بمنزلة ابن الهيثم ، لجأوا في بعض الحالات ، إلى الاستقراء ، تبعاً للمسألة المطروحة . فبهذه الطريقة ناقش ابن الهيثم " المبرهنة الصينيّة لباقي القسمة " ومبرهنة ويلسن ( Wilson ) . ومن جهة أخرى ، إذا كان علماء الرياضيّات من الصف الأوّل وبعض الفلاسفة مثل ابن سينا ، أهملوا الأهداف الفلسفيّة والنفسيّة التي رسمها نيقوماخوس لعلم الحساب ، فإنّ علماء رياضيّات آخرين من صفٍّ أدنى ، وفلاسفة وأطبّاء وموسوعيّين . . . ، اهتمّوا بعلم الحساب هذا . يرتكز تاريخ هذا العلم إذاً ، على تاريخ الثقافة العامّة للإنسان المتعلِّم في المجتمع الإسلامي على امتداد عصور ، ويتجاوز بالتالي ، بصورة واسعة ، إطار مقالنا هذا . إلّا أنّ البحث في نظريّة الأعداد بالمعنى الأقليدسي والفيثاغوري قد بدأ باكراً ، قبل نهاية القرن الثالث ه - / التاسع للميلاد . وهذا البحث عاصر ترجمة ثابت بن قرّة لكتاب نيقوماخوس ولمراجعة الأوّل لترجمة " أصول " أقليدس . فثابت بن قرّة ( المتوفى عام 288 ه - / 901 م ) هو الذي باشر هذا البحث ، وذلك

--> ( 1 ) * نُقِل هذا الكتاب إلى العربيّة تحت عنوان " المدخل إلى علم العدد " ( المُترجِم ) .